محمد جمال الدين القاسمي

415

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وأما قوله المعتزلة : حديث عبد اللّه المتقدم - إن صح - يكون خبر واحد ، في مقابلة الدليل القطعي ، ومثله لا يعمل به - فالجواب : بأنه صح بلا ريب ، لتخريج الشيخين له . وإذا جاء نهر اللّه ، بطل نهر معقل وقولهم : في مقابلة الدليل القطعي ، بهتان عظيم . ويا للّه العجب من هؤلاء ، قابلوا السنة الصحيحة بكناسة الرأي ، ولم يستحيوا من اللّه تعالى ورسوله في هذه المخالفة ، فأين تذهب به عقولهم ؟ إلى الحق أم إلى الباطل ؟ ولكن كما قال ابن سهل : فما أضيع البرهان عند المقلّد هذا ، وقد روى ابن مردويه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مسير ساره ، إذ عرض له أعرابي فقال : يا رسول اللّه ! والذي بعثك بالحق ! لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي ، لأهتدي بهداك ، وآخذ من قولك ، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض ، فاعرض عليّ . فعرض عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقبل . فازدحمنا حوله ، فدخل خفّ بكره في بيت جرذان ، فتردّى الأعرابيّ ، فانكسرت عنقه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدق ! والذي بعثني بالحق ! لقد خرج من بلاده وتلاده وماله ليهتدي بهداي ، ويأخذ من قولي ، وما بلغني حتى ما له من طعام إلا من خضر الأرض . أسمعتم بالذي علم قليلا وأجر كثيرا ؟ هذا منهم ! أسمعتم ب الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ؟ فإن هذا منهم . وفي لفظ قال : هذا عمل قليلا وأجر كثيرا . وروى نحو الإمام أحمد « 1 » عن جرير بن عبد اللّه مطولا ، وفيه بيان قوله : فاعرض عليّ ، ولفظه : ما الإيمان ؟ قال : تشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت . قال : قد أقررت . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 83 ] وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 ) قوله تعالى : وَتِلْكَ أي : الدلائل المشار إليها في قوله أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 4 / 359 .